ابن الجوزي
348
زاد المسير في علم التفسير
الضحاك : هو الذي بدأ بذلك . والثاني : أنه حسان ; روى الشعبي أن عائشة قالت : ما سمعت أحسن من شعر حسان ، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة ; فقيل : يا أم المؤمنين ، أليس الله يقول : * ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) * ، فقالت : أليس قد ذهب بصره ؟ وروى عنها مسروق أنها قالت : وأي عذاب أشد من العمى ، ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ، ذهاب بصره ، تعني : حسان بن ثابت . ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله تعالى : * ( لولا إذ سمعتموه ) * أي : هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة * ( ظن المؤمنون ) * من العصبة الكاذبة ، وهم حسان ومسطح * ( والمؤمنات ) * وهي : حمنة بنت جحش * ( بأنفسهم ) * وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : بأمهاتهم . والثاني : بأخواتهم . والثالث : بأهل دينهم ، لأن المؤمنين كنفس واحدة ، * ( وقالوا هذا إفك مبين ) * أي : كذب بين . وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه : ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة ؟ ! فقال : هذا إفك مبين ، أكنت يا أماه فاعلته ؟ فقالت : معاذ الله ، قال : فعائشة والله خير منك ; فنزلت هذه الآية . قوله تعالى : * ( جاؤوا ) * أي : هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة * ( بأربعة شهداء ) * وقرأ الضحاك ، وعاصم الجحدري : " بأربعة " منونة ; والمعنى : يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به * ( فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله ) * أي : في حكمه * ( هم الكاذبون ) * . ثم ذكر القاذفين فقال : * ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) * أي : لولا ما من به عليكم ، * ( لمسكم ) * أي : لأصابكم * ( فيما أفضتم ) * أي : أخذتم وخضتم * ( فيه ) * من الكذب والقذف * ( عذاب عظيم ) * في الدنيا والآخرة . ثم ذكر الوقت الذي لولا فضله لأصابهم فيه العذاب فقال : * ( إذ تلقونه ) * وكان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول : بلغني كذا ، فيتلقاه بعضهم من بعض . وقرأ عمر بن الخطاب : " إذ تلقونه " بتاء واحدة خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة ; وقرأ معاوية ، وابن السميفع مثله ، إلا أنهما فتحا التاء والقاف . وقرأ ابن مسعود : " تتلقونه " بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف . وقرأ أبي بن كعب ، وعائشة ، ومجاهد ، وأبو حيوة : " تلقونه " بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف . وقال الزجاج : " تلقونه " : يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه ; ومعناه : إذ تسرعون بالكذب ، يقال : قد ولق يلق : إذا أسرع في الكذب وغيره ، قال الشاعر : جاءت به عنس من الشام تلق